هل يزيد التوظيف عن بعد في الإنتاجية

مع تزايد اعتماد الشركات لخيار التوظيف عن بعد،، صار هناك الكثير من النقاش حول أفضلية العمل عن بعد، وهل يزيد إنتاجية الموظف، أم ينقصها؟ وعلى الرغم من الدراسات الكثيرة التي تؤكد فوائد العمل عن بعد، مازال هناك بعض أصحاب الشركات ومدراء الموارد البشرية الذين يتوجّسون من التوظيف عن بعد، ولا يتقبلون فكرة ألا يعمل مُوظفوهم تحت إشراف مباشر منهم.

هناك الكثير من المغالطات الشائعة عن العمل عن بعد، فالبعض يظن أنّ الموظف الذين يريد العمل عن بعد متكاسل، وأنه إنما يريد العمل عن بعد حتى يفلت من الرقابة. وهناك من يظنّ أنّ الموظفين عن بعد لا ينتجون بقدر الموظفين الذين يعملون من مقر الشركة، ولا يقدمون الجودة نفسها، ولا يلتزمون بمواعيد التسليم. هذه المغالطات لا أساس لها من الصحة، بل إنّ الأبحاث والدراسات التي أُجريت في هذا المجال منذ أكثر من عقد من الزمن كلها تؤكد العكس تمامًا، فالمُوظف عن بعد في العادة أكثر إنتاجية من الموظف المكتبي، ولعل معظم هذه المغالطات مصدرها اعتقاد البعض أنّ الموظف لا يمكن أن يعمل بجد إلا إن كان تحت الرقابة والتوجيه المباشرين طوال الوقت، وهذا الاعتقاد خاطئ كما سنبين في هذا المقال.

أيضًا يرى البعض أنّ العمل عن بعد يضعف التواصل  بين أعضاء فرق العمل، ويضعف الانسجام وروح الانتماء إلى الشركة. وهذا أيضا غير صحيح، بل على العكس من ذلك، فبعض الدراسات1 تشير إلى أنّ الموظفين عن بعد أكثر حماسًا للعمل من الموظفين العاديين، إذ أنّ 41% من الموظفين عن بعد يقولون أنهم يشعرون بالحماس للعمل، مقارنة بـ 30% لدى الموظفين العاديين.

هناك الكثير من الأبحاث والدراسات التي تثبت أنّ الموظفين عن بعد أكثر إنتاجية وأفضل أداء، لكن أظن أنّ أكثر ما يمكن أن يُقنع المتشككين والمترددين في التوظيف عن بعد هو أن ينظروا إلى تجارب غيرهم من أصحاب المشاريع والشركات التي اعتمدت خيار التوظيف عن بعد، فوفقًا لتقرير مؤسسة Fundera2، فإنّ ثلثي المدراء الذين يقدمون للموظفين فرصة العمل عن بعد أكدوا أنّ الموظفين الذين يعملون من المنزل أكثر إنتاجية بشكل عام.

ليس المدراء وأرباب العمل فقط من يقولون أنّ العمل عن بعد أكثر إنتاجية وأحسن أداء، فالأمر نفسه ينطبق على الموظفين عن بعد، فـ 54% منهم يقولون إنهم يكونون أكثر إنتاجية عندما يعملون من خارج المكتب.

إنّ التقدم المتسارع في تكنولوجيا الاتصال وسّعت من المهام التي يمكن إنجازها عن بُعد. فقبل 10 أو 15 عامًا، كان العمل عن بعد يقتصر غالبًا على إجراء المكالمات الهاتفية، أو التواصل مع الشركات الأخرى عبر البريد الإلكتروني. أما اليوم، فقد أضحى من الممكن إنجاز الكثير من المهام الأخرى عن بعد. بل وأصبح من الممكن أيضًا إجراء الاجتماعات والنقاشات عبر الفيديو. فالكثير من الأدوات جعلت هذا الأمر ممكنًا، مثل Skype و FaceTime و Zoom وغيرها كثير.

تتعدد أسباب رغبة الموظفين في العمل عن بعد، الرسم البياني التالي يعرض أهم تلك الأسباب:

المصدر

تجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ المرونة التي يوفرها العمل عن بُعد جذابة لكل من الشباب الجدد في سوق العمل، والموظفين ذوي الخبرة على حد سواء، فالعمل عن بعد خيار مغر للموظفين في مختلف القطاعات والفئات العمرية.

يُعزى تحسّن إنتاجية الموظفين عن بعد لأسباب كثيرة، منها على سبيل الذكر لا الحصر:

في العمل عن بعد النتائج هي الأهم

في العمل عن بعد النتائج هي الأهم

تُحجم بعض الشركات عن السماح للموظفين بالعمل عن بُعد لأنهم يتخوفون من أنه إن لم يعمل الموظف تحت رقابتهم، فلا يمكنهم أن يكونوا متأكدين من أنّه ينجز المهمة الموكلة إليه على أحسن وجه. إن كان هدفك هو أن يبقى الموظف في مقر العمل وحسب، فإنّ العمل عن بعد لن يناسبك، أما إن كان هدفك هو النتائج وتسليم المشاريع، فكل ما يهم إذن هو أن ينجز الموظف المهمة الموكلة إليه، بغض النظر عن الوقت الذي استغرقه لإنجاز المهمة، أو المكان الذي يعمل منه.

عندما توظف شخصًا عن بعد فأنت لا تشتري منه وقته، وإنما تشتري منه أداءه وجهده، فأنت لن تدفع له مقابل حضوره إلى مقر العمل لخمسة أيام في الأسبوع، وثمان ساعات في اليوم، ولكن ستدفع له مقابل ما أنجزه من عمل. الموظفون عن بعد يفهمون هذه المعادلة، ويعلمون أنهم سيُقيَّمون على أساس أدائهم، ونتائج عملهم، وليس على مجرد تسجيل حضورهم إلى مقر الشركة، لذلك فهم يعملون على العموم بجهد أكبر، ويسعون لإنجاز المهام بأعلى جودة، وفي الوقت المحدد، وهذا ينعكس إيجابًا على إنتاجيتهم.

بعض الناس ليليّون (يفضلون العمل ليلًا)، بعضهم يريد العمل في بيئة هادئة، ولا يتحمل الضجيج وعوامل التشتيت، وبعضهم يفضلون أن يأخذوا استراحات كثيرة قصيرة أثناء العمل. البعض يفضلون العمل من الأماكن العامة، مثل المكتبات والمقاهي والحدائق. التوظيف عن بعد يتيح لك أن تسمح للموظف أن يعمل بالطريقة الأنسب له، والتي تجعله أكثر إنتاجية وإبداعًا، وهذا أمر قد لا توفره بيئة العمل في مقر الشركة، لأنّ الناس مختلفون، ومهما حاولت أن تحسن ظروف العمل في مقر الشركة، فلا يمكن أن تلبي رغبات الجميع، وهذه قوة العمل عن بعد، إذ أنه يترك للموظف تحديد ظروف العمل التي يحب، والتي تجعله ينتج بأقصى قدر ممكن، والنتيجة هي أداء أحسن، وإنتاجية أعلى.

ينبغي ألا تفرض على الموظفين عن بعد ساعات عمل محددة، إلا إن كانت طبيعة العمل تستدعي ذلك، مثلًا، إن كانت المهمة تستعدي الرد على اتصالات العملاء فوريًا، مثل مكاتب الاتصال والدعم الفني، لكن ذلك غير ضروري في معظم الأحوال، لذا اترك للموظف حرية جَدْولة ساعات عمله، وحاسبه على أدائه ونتائجه وحسب. مثلًا، إن كان الموظف عن بعد يعمل في مجال التأليف، فحاسبه على جودة كتابته، وعلى عدد الكلمات التي يؤلفها، وليس على الوقت الذي قضاه في الكتابة.

الموظفون عن بعد يعملون ساعات إضافية أكثر

نظرًا لأن الموظفين عن بعد يحددون ساعات عملهم بأنفسهم، فإنهم يميلون إلى العمل لساعات إضافية خلال الأسبوع، بل والعمل بعد ساعات العمل المعتادة. وحتى عندما تكون لديهم التزامات أخرى، فيمكنهم بسهولة موازنة تلك الالتزامات مع مهامهم المهنية، وإنجاز كل شيء في الوقت المطلوب، وذلك على عكس نظرائهم الذين يعملون من المكاتب.

الموظفون عن بعد أقدر على التعامل مع عوامل التشتيت

الموظفون عن بعد أقدر على التعامل مع عوامل التشتيت

غالبًا ما يعاني الموظفون العاملون من المكتب من الضجيج والضوضاء، ومن زملاء العمل المزعجين، ويجدون صعوبة في التركيز، وإنجاز أعمالهم.

على عكس مقرات العمل المليئة بعوامل التشتيت، يتحكم الموظف عن بعد في بيئة عمله، لذلك هو أقدر على التعامل مع عوامل التشتيت. أجرى مجموعة من الباحثين في جامعة ستانفورد دراسة3 على العاملين في مركز الاتصال في شركة Ctrip الصينية، وقد أظهرت الدراسة زيادة في الإنتاجية بنسبة 13 في المائة لدى الموظفين الذين عملوا عن بُعد. تسعة في المائة من تلك الزيادة عُزِيت إلى أنّ الموظفين عن بعد كانوا يعملون لمدة أطول في كل نوبة عمل، ويقضون فترات راحة أقل. ويُعزى أربعة بالمائة من الزيادة إلى إنفاق الموظفين وقتًا أطول على المكالمات، ذلك أنّ  بيئات عملهم كانت أكثر هدوءًا، وأقل تشتيتًا للانتباه. وقد قدّرت شركة Ctrip أنها وفرت 2،000 دولار سنويًا عن كل موظف كان يعمل من المنزل، وذلك بفضل زيادة الإنتاجية، وتقليل نسبة استقالة الموظفين، وتخفيض مساحة مقر العمل.

الموظفون عن بعد أقل تغيّبا عن العمل

الموظفون عن بعد أقل تغيّبا عن العمل

عندما يعمل الجميع في نفس المكان، فإنّ أيّ موظف يصاب بمرض مُعدٍ قد يعدي زملاءه. تؤثر الأمراض بشكل سلبي على صحة الموظفين، مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية. أشارت دراسة4 حديثة إلى أنّ الزكام وحده قد كلّف الشركات في الولايات المتحدة ما يقرب من 15.4 مليار دولار في موسم واحد نتيجة لانخفاض الإنتاجية بسبب المرض.

قد يكون من الحكمة أن تطلب من الموظفين خلال موسم الأنفلونزا أن يعملوا من منازلهم، كذلك إن لاحظت أنّ أحد الموظفين مريض، فاطلب منه أن يعمل من منزله حتى يتعافى. فآخر ما تريده أن يعدي الموظفين الآخرين، لأنّ ذلك قد يعطل المشاريع التي يعملون عليها، وقد تتخلف نتيجة لذلك عن مواعيد التسليم.

الموظفون عن بعد يأخذون إجازات مرض أقل بحسب دراسة5 من Harvard Business Review. كما أنه يمكنهم أن يعملوا حتى في فترة المرض، مثلًا، يمكن للموظف أن يعمل حتى لو أصيب مثلا بحادث أو مرض يمنعه من التنقل إلى مقر العمل، كما أنّ الموظفات الحوامل يمكنهن أن يعملن خلال فترة الحمل والرضاع من منازلهنّ. وهذا كله يقلل من انقطاع العمل، ما يؤدي بدوره إلى رفع الإنتاجية، والتقليل من مقاطعة المشاريع، وتسريع وتيرة سير العمل.

الموظفون عن بعد أكثر سعادة على العموم

 بيّن استطلاع6 من TINYpulse، أنّ الموظفين عن بعد أكثر سعادة مقارنة بغيرهم، لأنهم يشعرون باستقلالية أكبر، ويشعرون بالتقدير والثقة.

كلما منحت موظفيك ثقة أكبر، زاد ولاءهم للشركة. إنّ السماح لهم بالعمل من حيث أرادوا، وتقييمَهم بناءً على أدائهم هو رسالة ثقة وتقدير لهم، وهذا سيزيد رضاهم الوظيفي، مما سيؤثر على الأداء العام للموظف على المدى الطويل بشكل إيجابي.

بفضل المرونة التي يوفرها العمل عن بُعد، سيتمكن موظفوك من موازنة حياتهم الشخصية والمهنية بشكل أفضل. وسيقضُون وقتًا أطول مع عائلاتهم وأصدقائهم، ويجدون المزيد من الوقت لممارسة هواياتهم المفضلة، هذا كله سيجعل الموظف أكثر سعادة ورضى، وذلك سينعكس على أدائه الوظيفي، ويجعله أكثر تفانيًا وإنتاجًا في العمل.

لا بد من التنويه إلى أنّ العمل عن بعد ليس أكثر إنتاجية في جميع الحالات، فهناك بعض المهام التي يكون الموظف فيها أكثر إنتاجية في المكتب مقارنة بالذي يعمل عن بعد. في دراسة سابقة نُشرت في مجلة  Economic Behavior 7Organization، وجد الباحثون أنّ بعض المهام تكون أكثر ملاءمة للعمل عن بعد من غيرها. فقد وجدت الدراسة أنّ ما يسمى بالمهام الخاملة الروتينية، مثل إدخال البيانات أو الكتابة على جهاز الحاسوب، كانت أكثر ملاءمة للبيئة المكتبية. فالأشخاص الذين سُمح لهم بالعمل عن بعد كانوا أقل إنتاجية من الأشخاص الموجودين في المكتب، ربما لأنّ الموظفين العاملين عن بعد يجدون صعوبة في العمل على المهام المملة لمدة طويلة.

ولكن عندما يتعلق الأمر بالمهام التي تحتاج إلى إبداع، فإنّ الموظفين أنفسهم كان أداؤهم أفضل عندما أتيحت لهم الفرصة للعمل عن بعد مقارنة بالموظفين المكتبيّين.

تشير هذه الدراسة إلى أنّ العمل عن بعد يكون أكثر إنتاجية بالنسبة للمهام التي تحتاج إلى إبداع، وهذا أمر طبيعي، لأنّ الإبداع يحتاج إلى الهدوء والسكينة، وهذا أمر صعب أن يتوفر في  بيئة العمل المكتبية المزدحمة والمشغولة على الدوام.

أنا لا أقول أنّ كل الوظائف ينبغي أن تُنجز عن بعد. في الواقع، العديد من الوظائف تتطلب الحضور الشخصي للموظفين. ولكن ما أقوله أنّ الوظائف التي لا تتطلب الحضور الدائم، قد يكون من الأفضل أن تُنجز عن بعد، فخيار التوظيف عن بُعد كما بيّنا في هذا المقال يمكن أن يؤدي إلى زيادة أرباح الشركة وإنتاجية الموظفين بشكل ملحوظ.


مصادر: [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7]

تم النشر في: الإنتاجية منذ سنة واحدة