الدليل الشامل لبناء سياسة التوظيف عن بعد

أضحى العمل عن بعد خيارًا جذابًا لكثير من الموظفين وأصحاب العمل على السواء. ففي العصر الرقمي، لم يعد من الضروري أن يذهب الموظفون إلى مقرات العمل لإنجاز أعمالهم. فقد أصبح بمقدورهم العمل من أي مكان، وفي أي وقت يشاؤون.

كل الإحصاءات تدل على أنّ العمل عن بعد سيصبح هو المعيار في سوق العمل، فعلى مستوى العالم، يعمل الآن سبعة من بين كل عشرة موظفين عن بعد ليومٍ واحد على الأقل في الأسبوع وفقًا لدراسة حديثة أجرتها شركة Zug السويسرية1. كما أنّ 63% من الشركات توظف بعض عمالها عن بعد. كما يُتوقع أن يعمل أكثر من ثلث الموظفين عن بعد في السنوات العشر القادمة. رغم كل هذه المؤشرات التي لا تدع مجالًا للشك بأنّ العمل عن بعد لم يعد نظام عمل ثانوي، وإنما سيكون هو النظام الطبيعي في العمل، إلا أنّ غالبية الشركات ليس لها أي سياسة توظيف عن بعد، فبحسب Global Workplace Analytics، فقط 7 في المائة من الشركات لديها سياسة توظيف عن بعد2.

إنّ غياب سياسات التوظيف عن بعد في معظم الشركات ليس مفاجئًا، ذلك أنّ العمل عن بعد ظاهرة حديثة نسبيًا، ومعظم الشركات لا زالت عالقة في نماذج العمل القديمة، وستحتاج إلى بعض الوقت للتكيف مع المعطيات الجديدة لسوق العمل. لكنّ هذا لا يعني أنّ سياسة التوظيف عن بعد هي من الكماليات أو التعقيدات القانونية المجانية، لأنّ العمل عن بعد يأتي مع تحديات خاصة، كما أنّ سياسة التوظيف عن بعد ستساعد على توضيح طبيعة العمل، وحقوق الموظف عن بعد، وكذلك صاحب العمل. كما تساعد سياسة التوظيف عن بعد أصحاب العمل على التخطيط وتصميم برامج العمل، عبر تحديد الوظائف التي يمكن القيام بها عن بعد، وآليات التواصل بين الموظف وصاحب العمل، أو بين الموظف وزملائه.

إن اقتنعت الآن بأنّ عليك أن تكون من السبعة في المائة من الشركات الرائدة التي بنت سياسة التوظيف عن بعد الخاصة بها، فهذا المقال سيساعدك على ذلك، وسيعرض لك بعض التوجيهات والاعتبارات التي ستساعدك على بناء سياسة توظيف عن بعد ناجحة وفعالة.

تحديد الوظائف المناسبة للعمل عن بعد

تحديد الوظائف المناسبة للعمل عن بعد

ليست كل الوظائف في مؤسستك مناسبة لأن تُنجز عن بعد. فالوظائف التي تتطلب الاتصال المباشر بالعملاء في الموقع على سبيل المثال، لا يمكن إنجازها عن بعد.

أول خطوة في بناء سياسة التوظيف عن بعد هي تحديد الوظائف المؤهلة للعمل عن بُعد. الوظائف الملائمة للعمل عن بعد  هي الوظائف التي تتطلب الحد الأدنى من النشاط البدني، والتي لا ترتبط بمنطقة جغرافية معينة، ولها أهداف محددة وقابلة للقياس، مثل التأليف والبرمجة والتسويق الرقمي.

تحديد الموظفين المؤهلين للعمل عن بعد

كما أنه ليست جميع الوظائف مناسبة للعمل عن بعد، فكذلك ليس جميع الموظفين قادرين على التكيف مع المتطلبات الخاصة بالعمل عن بعد، فليس الجميع يتمتعون بالمؤهلات النفسية والأخلاقية والتقنية ليعملوا دون رقابة مباشرة من صاحب العمل. لذلك ينبغي على صاحب العمل أن يحرص على مراعاة بعض المعايير عند اختيار الموظفين عن بعد.

إن كنت ستختار الموظفين عن بعد من بين الموظفين الحاليين في الشركة، فعلى الأرجح أنه سيكون هناك تنافس على  ذلك بين الموظفين، وسيكون عليك أن تختار من بينهم من سيحصل على فرصة العمل عن بعد، لذلك عليك أن تعتمد معايير اختيار واضحة وعادلة.

هذه بعض المعايير التي يجب أن تبحث عنها في المُترشحين للعمل عن بعد:

  • الإنتاجية العالية
  • مستوى عالٍ من المهارات الوظيفية
  • التمتع بالمهارات التقنية اللازمة لإنجاز العمل
  • روح المبادرة والقدرة على حل المشاكل الطارئة
  • الثبات تحت الضغط
  • العمل بفعالية حتى بدون إشراف
  • التنظيم الجيد
  • تسليم المشاريع في وقتها
  • القدرة على تحمل الآثار النفسية للعمل عن بعد، مثل العزلة والوحدة

يجب أن تضع معايير واضحة لاختيار الموظفين عن بعد حتى تتمكن من الدفاع عن قرارك لاحقًا، لأنّك إن اخترت الأشخاص الخاطئين للعمل عن بعد، فلن تخسر الوظائف التي جعلتها تُنجز عن بعد بإسنادها لمن لا يستحق، ولكن قد تخسر أيضًا الموظفين الآخرين الذين قد يشعرون بالظلم، وهذا قد يؤثر على ولائهم للشركة، وعلى إنتاجيتهم، لذلك احرص على أن توضح في سياسة التوظيف عن بعد معايير اختيار الموظفين عن بعد بوضوح.

في المقالة التالية ستجد تفاصيل أكثر حول كيفية اختيار الموظفين عن بعد: كيف تختار موظفين عن بعد أكثر كفاءة

سياسة التواصل

سياسة التواصل

التواصل هو أحد البنود الأساسية في سياسة التوظيف عن بعد، ينبغي الاتفاق على آليات التواصل، وأوقاته، مثلًا قد ترغب الشركة في أن يكون الموظف عن بعد متاحا للتواصل معه في ساعات العمل، أو بدلًا من ذلك، قد تفضل أن تفرض على الموظف عن بعد مدة استجابة معينة، مثلًا، يمكن يمكن أن تكتب في سياسة التوظيف عن بعد أنّ الموظف ينبغي أن يجيب على الرسائل المهنية في غضون 6 ساعات، أو 12 ساعة، أو غير ذلك.

أثناء تحديد سياسة التواصل، من المهم أن تأخذ في الحسبان بعض الاعتبارات، مثل الفارق الزمني، فبعض الموظفين عن بعد ربما يعيشون في منطقة جغرافية بعيدة، فالظهيرة عندك، أو في مقر الشركة، قد تقابل منتصف الليل في المنطقة التي يعيش فيها الموظف عن بعد، ولن يكون من المعقول ولا المناسب أن تتصل به في ذلك الوقت وتتوقع أن يجيبك فورًا، لذلك ينبغي مراعاة فارق التوقيت، وإن كانت متطلبات الوظيفة تستلزم أن يجيب الموظف عن بعد على اتصالات الشركة فورًا، فمن الأفضل أن تختار موظفًا يعيش في المنطقة الجغرافية نفسها التي يوجد بها مقر الشركة.

ينبغي كذلك الاتفاق على آليات التواصل، هل التواصل النصي كاف؟ أم ينبغي أن يكون صوتيًا؟ أم مرئيًا؟ وما هي التجهيزات التي يحتاجها الموظف عن بعد لإجراء الاتصال؟ وهل ينبغي على الموظف عن بعد أن يوفر تلك التجهيزات، أم أنّ الشركة ستتكفل بذلك؟ كلها أسئلة ينبغي أن تجيب عليها سياسة التوظيف عن بعد.

هناك جانب آخر ينبغي تذكير الموظفين عن بعد به، وهو أنّ جميع الاتصالات الإلكترونية المرسلة والمستلمة في إطار العمل ستُعامل على أنها وثائق رسمية في حال حدوث أيّ نزاع قانوني. يجب تدريب العاملين عن بُعد على التبعيّات القانونية لرسائلهم ومكالماتهم. كما ينبغي تنبِيههم إلى عدم استخدام التلميحات الجنسية، أو إبداء أي تعليقات تشهيرية أو عنصرية، أو غيرها من التعليقات المسيئة، لأنّ التواصل الإلكتروني قد يجعل الموظف عن بعد أكثر جرأة، وقد يقول كلامًا يؤذي زملاءه، أو يؤذي سمعة الشركة التي يعمل فيها.

إنّ صياغة سياسة واضحة للتواصل سيخلق علاقة صحية بين الموظفين عن بعد والمشرفين عليهم وزملائهم في العمل، ويقوّي الانسجام، ويزرع الألفة وروح الفريق بينهم.

قياس الإنتاجية والأداء

يجب أن تحدد سياسة التوظيف عن بعد كيفية قياس إنتاجية وأداء الموظف. يمكن قياس الإنتاجية بعدة طرق، مثل قياس الوقت الذي يقضيه الموظف عن بعد في العمل على المشروع (الإجابة على المكالمات الهاتفية مثلا)، أو عدد المشاكل التي قام الموظف عن بعد بحلها (الدعم التقني مثلا)، أو قياس مؤشر معين مرتبط بأداء الموظف (عدد الكلمات التي تم تأليفها)، وغير ذلك.

في العمل عن بعد، الأولوية في معظم الحالات للأداء والنتائج، وليس لعدد ساعات العمل. أو مكان العمل، لذا، إن كان الموظف عن بعد يقوم بعمل جيد، ويحقق نتائج طيبة، فإنّ عدد ساعات العمل التي قضاها لإنجاز العمل، أو كيفية إنجازه للعمل لا تهم حقًا طالما أنك حصلت على النتائج التي تريد، وهذا مفيد للشركات، لأنها ستضمن أنها ستدفع للموظف عن بعد عن العمل الذي ينجزه وحسب، وليس عن عدد ساعات العمل التي يقضيها في مقر الشركة، والتي قد لا ينجز فيها الكثير. لذلك ينبغي أن تحدد في سياسة التوظيف عن بعد معايير تقيس الأداء والنتائج، وليس كيفية العمل، أو ساعات العمل.

ينبغي أن تحدد كذلك في سياسة التوظيف عن بعد إن كانت هناك مكافآت للموظفين عن بعد الذين ينجزون أعمالًا بجودة أعلى من المتوقع، أو بكمية أكبر، وبالمقابل، تحديد ما إذا كانت هناك عقوبات على الموظفين عن بعد ذوي الإنتاجية الضعيفة، فهل ستفسخ العقد معهم؟ هل ستكون هناك غرامات؟ هذه أسئلة يجب أن تجيب عنها سياسة التوظيف عن بعد حتى يكون الجميع على علم بشروط العمل.

التجهيزات ومتطلبات العمل

التجهيزات ومتطلبات العمل

يحتاج الموظفون عن بعد إلى الأدوات والتجهيزات والمعدات المناسبة لإنجاز أعمالهم. لذلك سيكون على الشركة أن توضح في سياسة التوظيف عن بعد المعدات والتجهيزات التي ينبغي أن تتوافر لدى موظفيها العاملين عن بعد. كما ينبغي أن توضح ما إذا كانت تتوقع من الموظفين أن يوفروا جزءًا من تلك التجهيزات، مثل أجهزة الحاسوب على سبيل المثال.

تختلف متطلبات العمل عن بعد من شركة إلى أخرى، ومن وظيفة إلى أخرى. بعض الشركات قد تفرض على موظفيها العاملين عن بعد أن تتجاوز سرعة اتصالهم بشبكة الإنترنت عتبة معينة، بعضهم قد يفرض أن يكون مكان العمل مؤمّنًا لحماية بياناتها من الاختراق أو العبث أو الحرائق.

الدعم الفني

إلى جنب المعدات والتجهيزات، تحتاج الشركات لتحديد ما إذا كانت ستقدم للموظفين عن بعد العاملين لديها أيّ دعم فني.

ماذا لو تعطل حاسوب الموظف عن بعد؟ أو حدث مشكل في أحد البرامج التي يعمل عليها؟ ماذا لو ضاعت بعض بيانات الشركة؟ هذه كلها أشياء ستحدث للموظفين عن بعد العاملين لديك عاجلًا أم آجلًا، وينبغي أن تحدد ما إذا كنت مستعدا لتقديم الدعم الفني لهم، أم أنّ عليهم أن يحلوا مشاكلهم الفنية والتقنية بأنفسهم.

إن قررت تقديم الدعم الفني للموظفين عن بعد، فاحرص على أن يكون الموظف المسؤول عن الدعم الفني مجهزًا بالمعرفة اللازمة لتقديم الدعم الفني عن بعد.

الأمن

الأمن

إحدى الانشغالات الكبيرة في العمل عن بعد هي مشكلة الأمن. تعمل الشركات عادة على شبكات آمنة، ولكن عندما يتم إخراج المعلومات من المكتب من قبل الموظفين عن بعد، فلا يمكن ضمان أمن وسلامة تلك البيانات. يجب أن يكون الموظفون حذرين للغاية عند العمل من الأماكن العامة. إذا كانت لدى الشركات متطلبات أمنية محددة، مثل أن تطلب من الموظفين عن بعد ألا يعملوا من شبكات Wi-Fi العامة، فينبغي ذكر ذلك في سياسة التوظيف عن بعد.

الخطأ وارد، فقد يتعطل الجدار الناري لدى الموظف، أو قد يتعرض حاسوبه لاختراق، وقد يتعطّل القرص الصلب الذي يحتوي البيانات، وغيرها من الأخطاء الشائعة التي يمكن أن تؤدي إلى تسريب البيانات الحساسة الخاصة بالشركة أو ضياعها. ينبغي الاتفاق على الإجراءات الأمنية، مثل برامج الحماية، وتشفير البيانات، وإنشاء نسخ منها في حال ضياعها، وغيرها من الممارسات الأمنية المتعارف عليها.

إمكانية تعرض البيانات للاختراق عن بعد ليس هو الخطر الوحيد، يجب أن تأخذ في الاعتبار أيضًا أفراد العائلة والأشخاص الآخرين الذين قد يأتون إلى المنزل والذين يمكن أن يطلعوا على الحاسوب والأجهزة التي يعمل عليها الموظف عن بعد. لضمان عدم تسريب المعلومات الحساسة بطريقة غير مقصودة يمكن أن تشترط على الموظف عن بعد أن يكون مكتبه في غرفة لها باب يمكن إغلاقه. كما يجب حماية المستندات الورقية من النار أو السرقة. كما يمكن أن تشترط على الموظف عن بعد أن يمنع البالغين والأطفال الذين يعيشون في المنزل من الوصول إلى المعدات المكتبية أو استخدامها.

حماية خصوصية العملاء

جنبا إلى جنب مع الأمن، يجب أخذ خصوصية العميل في الحسبان أثناء كتابة سياسة التوظيف عن بعد. ينبغي أن يتعهد الموظف عن بعد بألا يكشف البيانات الخاصة بالعملاء، أو أي شيء يتعلق بحياتهم الشخصية. وينبغي ألا يستخدم تلك البيانات والمعلومات إلا كما هو متفق عليه مع الشركة والعميل.

هناك حساسية شديدة تجاه خصوصية العملاء، وأي خرق لهذه الخصوصية قد تكون لها تبعات قانونية على الموظف، وعلى الشركة كذلك، لذا ينبغي ألا تستهين الشركة بهذا الأمر، وأن تدرب موظفيها العاملين عن بعد على كيفية التعامل مع بيانات العملاء، وكيفية استخدامها وحمايتها.

الانسجام في فريق العمل ودمج العاملين عن بعد

وفقا لموقع Ipsos Research، فإنّ 62% من العاملين عن بعد على مستوى العالم يشعرون بالعزلة الاجتماعية والوحدة عندما لا يرون زملاء العمل وجهاً لوجه يوميًا3. هذه مسألة ينبغي الانتباه لها.

يفضّل معظم الناس أن يكونوا جزءًا من فريق يعمل على تحقيق أهداف مشتركة. وفي حال عدم وجود برامج لتقوية الروابط بين الموظفين عن بعد وزملائهم، سواء الذين يعملون من مقرات الشركة، أو الذين يعملون عن بعد، فيمكن أن يفقدوا إحساسهم بالإنتماء إلى الفريق، كما يمكن أن ينساهم زملاءهم، أو ينظروا إليهم كأنهم موظفون أقل أهمية.

احرص على أن يشعر الموظفون عن بُعد بأنهم جزء مهم من فريق العمل، وأنّ الأدوار التي يقومون بها لا تقل أهمية عن أدوار زملائهم في الشركة. واحرص أيضًا على ألا يتم تجاهلهم في الترقيات والعلاوات.

في المقال التالي بعض الحلول لمواجهة مشكلة الوحدة لدى الموظفين عن بعد: 10 حلول للموظفين عن بعد لمكافحة العزلة والشعور بالوحدة

توضيح سياسة التوظيف عن بعد للموظفين

توضيح سياسة التوظيف عن بعد للموظفين

بمجرد الانتهاء من صياغة سياسة التوظيف عن بعد، شاركها مع فريق العمل، وتأكد من أن جميع الموظفين يفهمون تفاصيلها ويوافقون عليها. تأكد من أن سياسة التوظيف عن بعد متاحة للجميع، سواء للموظفين عن بعد، أو حتى للموظفين المكتبيّين. ويُفضل رفعها إلى موقع الشركة لتسهيل الوصول إليها.


مصادر: [1] [2] [3] تم النشر في: التوظيف عن بعد